محمد أبو زهرة

2162

زهرة التفاسير

وإن التقديم هنا للقصر ، والتخصيص ، والمعنى اطلبوا برغبة وشدة إلى الله وحده الوسيلة إليه والتقرب ، فلا تطيعوا سواه إلا في ظل طاعته ، ولا تتقربوا إلى غيره إلا في ظل طلب رضاه ، فإنه لا تقرب لسواه ، ولا محبة إلا لأجله ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : « حتى يحب الشئ لا يحبه إلا الله » « 1 » فالحب لله والبغض لله هما أقوى دعائم الإيمان ، وأن المؤمن يتوسل إلى الله تعالى بالقربات التي شرعها ، حتى يكون سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويمتلئ قلبه ونفسه بنوره ، فيكون ربانيا . وإنه قد جاء في العبارات الإسلامية معنى للوسيلة على أنها درجة من أعلى الدرجات في الجنة ، بل أعلاها ، وهذا المعنى متلاق مع أصل المعنى ، وهو التقرب إلى الله والتوسل إليه وحده بالطاعات ، ولقد كان من الدعاء الذي يردد في الآذان ما رواه البخاري : فقد روى عن جابر بن عبد الله أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته حلت شفاعتي له يوم القيامة » « 2 » . وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ، ثم صلوا على ، فإنه من صلى على صلاة صلى الله تعالى عليه عشرا ، ثم سلوا الله لي الوسيلة ، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغى إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو ، فمن سأل الوسيلة حلت له الشفاعة » « 3 » .

--> ( 1 ) سبق تخريج ما في معناه من حديث . ( 2 ) رواه البخاري : الأذان - الدعاء عند النداء ( 614 ) ، وبلفظ : « إلا حلت » : الأذان - الدعاء عند الأذان ( 680 ) عن جابر رضي الله عنه . ( 3 ) رواه مسلم : الصلاة - استحباب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه ( 384 ) ، والترمذي : المناقب - في فضل النبي صلى الله عليه وسلم ( 3614 ) ، والنسائي : الأذان - الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ( 678 ) ، وأبو داود : الصلاة - إذا سمع ما يقول المؤذن ( 523 ) ، وأحمد : مسند المكثرين - مسند عبد الله بن عمرو ( 6532 ) .